الحرف اليدوية

رحلة البروكار الدمشقي من النول إلى قصور الملوك

رحلة البروكار الدمشقي من النول إلى قصور الملوك

في عالم متسارع، تظل بعض الصناعات قادرة على مقاومة الزمن، لا بفضل سرعتها، بل بفضل أصالتها. ومن هذه الصناعات يبرز البروكار الدمشقي كأحد أعرق الأقمشة اليدوية في التاريخ، وأكثرها تفردًا من حيث الجمال والتكوين.

في هذه المقالة، نرافق الحرير الدمشقي الفاخر في رحلته من النول إلى قصور الملوك، ونتعرّف إلى سرّ تألقه عبر العصور، وكيف تعيد منصة نقشات تقديمه اليوم بأسلوب معاصر دون أن تفرّط بروحه الدمشقية الأصيلة.

ما هو البروكار الدمشقي؟ وما سرُّ تميزه؟

يُعرّف الكثيرون البروكار أو الحرير الدمشقي بأنه قماش فاخر يُنسج من الحرير الطبيعي، وتُطعَّم خيوطه أحيانًا بالذهب أو الفضة، لكنه أكثر من ذلك بكثير.

هذا النسيج ليس فقط تعبيرًا عن الحرفة، بل عن الثقافة والفن والعراقة. يشتهر بنقوشه الدقيقة، وغالبًا ما تتكرّر فيها رموز نباتية وزهرية، أشهرها الوردة الدمشقية، التي أصبحت توقيعًا بصريًا لهذا القماش الفريد.

وعند البحث عما هو البروكار الدمشقي من الناحية الفنية، فهو نسيج يُنسج على أنوال يدوية، ويحتاج إلى وقت طويل لإنتاج كل متر واحد منه، مما يجعله رمزًا للفخامة والندرة.

صناعة البروكار الدمشقي: بين سرّ المهنة وسحر النول

تُعدّ صناعة البروكار الدمشقي من أدقّ الحرف التقليدية في سوريا. فهي تحتاج إلى مهارة عالية، وصبر طويل، وتوارث دقيق للتقنيات.

يبدأ العمل على قماش البروكار باختيار خيوط الحرير الدمشقي الطبيعي، وغالبًا ما يُخلط مع خيوط معدنية تضيف لمعانًا فريدًا. يُثبَّت التصميم أولًا على الورق، ثم يُنفَّذ بدقة عبر نول خشبي ضخم يُحرَّك يدويًا.

كل متر من البروكار يحمل عشرات الساعات من العمل، وهو ما يجعل منه قطعة استثنائية بحق، لا تشبه أي نسيج صناعي.

اقرأ أيضًا: صناعة السجاد في سوريا: عندما تحيك الأيادي ذاكرة المدن

البروكار في بلاطات العالم: من دمشق إلى قصور أوروبا

من أهم المحطات التي خلدت شهرة البروكار الدمشقي تقديمه كهدية من سوريا إلى الملكة إليزابيث الثانية بمناسبة زفافها عام 1947، وهو فستان من البروكار الذهبي نُسج خصيصًا لها في دمشق.

قبل ذلك بقرون، كان الحرير السوري، وخاصة القماش الدمشقي، يُباع في بلاط العباسيين والأيوبيين والعثمانيين، ثم نُقل عبر القوافل التجارية إلى أوروبا، حيث أصبح مرغوبًا لدى الأرستقراطية الفرنسية والنمساوية.

هل تراجع البروكار الدمشقي؟ وما التحديات التي تواجهه؟

رغم تاريخه العريق، تعرّض البروكار في العقود الأخيرة لتحديات كبيرة، أهمها:

  1. تقلّص عدد الورش العاملة في صناعة البروكار في سوريا.
  1. صعوبة تأمين المواد الأولية مثل الحرير الدمشقي الطبيعي.
  1. غياب التدريب المهني الحديث في هذا المجال.
  1. منافسة الأقمشة الصناعية الأرخص.

كما أن تغير الأذواق في عالم الأزياء، والانتقال إلى أنماط أسرع وأبسط، ساهم في تراجع الطلب على قماش البروكار الدمشقي، رغم أنه لا يزال يحظى بمكانة خاصة لدى محبي الحرف والفنون الأصيلة.

اقرأ أيضًا: كيف صمدت الحرف اليدوية في سوريا بوجه الحرب والنسيان؟

كيف تعيد منصة نقشات تقديم البروكار الدمشقي بأسلوب معاصر؟

نقشات هي منصة تجارة إلكترونية تتطلع لأن تكون بمثابة جسر حقيقي بين التراث والحداثة، حيث تُتيح للزوار اقتناء منتجات فريدة من الحرير الدمشقي، مصنوعة يدويًا داخل سوريا، وتحديدًا ضمن قسم الأزياء اليدوية.

تشمل المجموعة:

  • عباءات فاخرة بخطوط بسيطة تجمع بين الراحة والفخامة.
  • أوشحة وفولارات مصنوعة من قماش البروكار الدمشقي، بلمسات أنيقة تلائم الأذواق الحديثة.
  • قطع محدودة الإصدار تتيح للزبائن التميز والدعم المباشر للحرفة.

كل منتج في نقشات هو أكثر من قطعة أزياء؛ إنه رسالة دعم لحرفيين مبدعين، وحفاظ على تراث مهدد، ومساهمة في تمكين اقتصاد محلي يعتمد على المهارة بدل التصنيع الجماعي.

خيط يصل الماضي بالحاضر

في زمن يطغى فيه الإنتاج السريع، تظلّ قطعة من البروكار الدمشقي تهمس بلغة مغايرة: لغة الهدوء، والمهارة، والرسالة الصامتة. إنها ليست مجرد قماش، بل خيط ممتدّ من يد الحرفي إلى ذوق المتذوق.

اختر قطعة من هذا الفن عبر نقشات، واجعل من اقتنائك فعلًا ثقافيًا يُسهم في صون الذاكرة السورية.